ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
371
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
دار الدنيا للاستئناس ؛ فاستخرج من ضلع آدم عليه السلام من أقصره حواء عليهما السلام ، فقصرت بذلك عن درجة الرجل ، وللرجال . قال تعالى : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [ البقرة : 228 ] وهي درجة التقدم والكلية في رتبة الوجود ، فما تلحق بهم أبدا . قال تعالي عزّ وجل : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [ النساء : 35 ] قيام الكل علي الجزء ، وللقيّوم درجة التقدم والشرف . أمّا السرّ الذي خلق منها زوجها إلا من خارج ، حتى لا يخرج الأمر منه أصلا ، ويكون الأمر منه إليه ؛ كالأصل وغيره منه عليه حتى لا يستأنس بالغير ، وهكذا الأمر في الأصل أنه ما أظهر عينا للغير حتى لا يكون للغير عين ، فافهم . هذا سرّ الحديث المشهور في الغيرة الإلهية أنه قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ سعدا لغيّور وأنا أغير منه واللّه أغير مني » « 1 » فالغيرة صفته كما قال ، فافهم . قال تعالى : وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] فلمّا كان آدم نفسا واحدة وحواء خلقت منها فبثّ منهما ، وأوجد ، ونشر بنكاح صوري رجالا كثيرا ونساءا . قال تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] . إنما أخّر النساء ؛ لتأخرها في الخلق وفي الرتبة ، يقال : نسأت الشيء إذا أخرته ، ذكره في الصحاح ؛ وذلك لأنها في مرتبة الانفعال ، ولها التأخّر عن رتبة الفاعل ، وهكذا الأمر في العالم وإيجاده ؛ خلق في نفس واحدة ، وهي نفس القلم الأعلى والروح الأعظم الأسنى وهو أول خلق إبداعي نفس النفس الكل ؛ وهي أول خلق انبعاثي كانبعاث حواء من آدم عليهما السلام في عالم الأجرام ؛ ليكون محلا للولادة المعنوية المحسوسة المشهودة لأهلها ، وكانت مما ألقي إليها من الإلقاء الأقدس
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2 / 1135 ) بنحوه ، والطبراني في الكبير ( 6 / 23 ) .